من أنا.

أنا لستُ ضدَّ علامةِ الاستفهام كي لا أضعها، ولستُ مُستهينًا – لا سمح الله– بأي علامةِ استفهامٍ أخرى، وإنما يمكن القول بأن صيغة السؤال هي أصعب طريقةٍ يمكن أن يُعرِّف بها امرؤٌ نفسه، أو حتى يُقدِمَ عَلى المحاولة.

الأنا المتورطة بسؤالها، دائماً ما تتظاهر بالإجابة، أو تُمثلها، أما تلك التي تحكي حكايتها من خلالِ الإخبار المتواصل، الوامض كالبرق وكالحقيقة، حيث لا يمكنك في النهاية أن تحتفظ بتعريفٍ متكامل عنها، فهي أنايَ المترصدة هنا، القابعة على حافةِ الأوطان، المقيمةُ على مشارفِ الأبد، تتهجى طرقَ وجودها، وتسعى لمسارات مجدها، ولا تسأل كثيراً عن الأسباب، تلكَ المتجددةُ دون إعادةِ الخلق، دون مراجعاتٍ كثيرةٍ، أو طرقٍ بالحديدِ على صفيحٍ معوج.

لماذا أقدم نفسي هكذا؟

لأنه ليس من السهل أن يعرّف محمد الحكيم نفسه، لا لأن الاسم غامض، بل لأن الاسم جاء دائمًا متأخرًا عن التجربة.

هو مصريّ المنشأ، عربيُّ التكوين، تشكّل وجدانه في الجزيرة العربية، ثم أخذته المدن، كما تأخذ المدن أبناءها غير المعلنين: إلى القاهرة، إلى دبي، إلى أبوظبي، إلى الاستوديو، إلى النص، إلى الصوت، إلى تلك المنطقة الملتبسة التي لا يكون فيها الإنسان مقيمًا تمامًا ولا عابرًا تمامًا.

في بداياته، لم يكن الصوت مهنة. كان طريقةً للنجاة.

كان الأدب مأوى، واللغة سلاحًا ناعمًا، والقراءة محاولةً لتأجيل السقوط. انجذب مبكرًا إلى الشعر، إلى الفلسفة، إلى نيتشه وسيوران، إلى الحافة التي يقف عندها المعنى قبل أن ينهار أو يتجلى. ومن هناك جاء لقبه القديم: حارس الهاوية. لم يكن لقبًا للزينة، بل توصيفًا لمزاجٍ وجودي يرى العالم من طرفه الحاد، لا من واجهته المطمئنة.

بدأت علاقته المهنية بالصوت في منتصف العقد الأول من الألفية، قبل أن تصبح الكتب الصوتية صناعة رائجة، وقبل أن يصير الإنصات شكلًا جديدًا من أشكال القراءة. آمن مبكرًا بأن للأذن مستقبلًا في المعرفة، وأن النص لا يفقد شيئًا حين يُقرأ بصوتٍ حي، بل يستعيد بعض جسده الأول. من هذا الإيمان وُلدت مشاريع التسجيل والإنتاج، ثم الاستوديو، ثم التجارب الطويلة في قراءة الأدب والشعر والكتب، حتى صار الصوت عملًا وهاجسًا ومختبرًا للمعنى.

لكن الحكاية لم تتوقف عند الأداء.

مع الوقت، تحوّل السؤال من: كيف نقرأ النص؟ إلى: كيف نعيد بناء علاقة العرب بالنص؟

ومن هنا جاءت أنطولوجي، لا كمنصة فحسب، بل كمحاولة لإنقاذ الجمال من العشوائية، وفهرسة ما يتناثر من شعر وأدب وفن، وإتاحة ما يستحق أن يبقى. كان المشروع، في جوهره، مقاومةً صامتة للنسيان: أن نمنح النصوص بيتًا، والأصوات أثرًا، والقرّاء طريقًا أقل وحشة نحو المعنى.

على امتداد أكثر من عقدين، تنقّل محمد الحكيم بين الكتابة، والترجمة، والتحرير، والإخراج الإبداعي، والتسجيل الصوتي، وإنتاج الكتب والبودكاست، وصناعة المحتوى الثقافي. لم يكن هذا التنقل هروبًا من مهنة إلى أخرى، بل بحثًا عن المهنة الأعمق: صناعة المعنى في زمنٍ يتكاثر فيه الكلام وتندر فيه النبرة الصادقة.

في السنوات الأخيرة، دخلت التقنية إلى قلب تجربته لا كبديل عن الإنسان، بل كامتداد جديد لسؤاله القديم. صار الصوت الذي خرج من الكتب يعيش في فضاءات رقمية أوسع، ويعبر لغاتٍ لم يولد فيها، ويصل إلى مستمعين لا يعرفون صاحب الحنجرة الأولى. هنا لم تعد المسألة مجرد تعليق صوتي أو أداء احترافي، بل صارت سؤالًا فلسفيًا آخر: ماذا يبقى من الإنسان حين يتكاثر صوته؟ وأين تقف الروح حين تصبح قابلة للنسخ؟

هذه الأسئلة لا يخشاها. على العكس، يذهب إليها كما ذهب قديمًا إلى الهاوية: لا ليقع، بل ليرى أبعد.

اليوم يعمل محمد الحكيم عند تقاطع الأدب والصوت والتقنية. يكتب، يقرأ، ينتج، يؤسس، ويختبر إمكانات جديدة للثقافة العربية في زمن الذكاء الاصطناعي والمنصات والتحولات الكبرى في النشر والمعرفة. تجربته ليست سيرة صعود مستقيم، بل سيرة عبور: من الورق إلى الميكروفون، من الاستوديو إلى المنصة، من الذات الجريحة إلى المشروع، من العدم كهاجس إلى البناء كفعل مقاومة.

لا يزال حارسًا للهاوية، نعم.

لكن الحارس تعلّم شيئًا مع الوقت: أن الهاوية لا تُهزم بالتحديق فيها فقط، بل ببناء جسر فوقها، ولو من صوت، ولو من نص، ولو من معنى مؤقت يكفي للعبور.

محمد الحكيم لا يكتب كي يشرح نفسه.

ولا يقرأ كي يثبت حضوره.

ولا يصنع المنصات لأن العالم ينقصه موقع جديد.

يفعل ذلك لأن المعنى، إن لم يجد من يحرسه، صار ضحية سهلة للضجيج.

ولأنه، رغم كل شيء، لا يزال يريد أن يحكي.

ولا يزال يريد أن يسري.